السيد كمال الحيدري
37
مراتب السير والسلوك إلى الله
هذا العالم ووجود آخر في هذا العالم ، فإنّ العربية ليست وصفاً لحقيقة القرآن في كلّ المراتب وإنّما هي وصف للقرآن في نشأة الألفاظ والمفاهيم والعلم الحصولي . بعبارة أُخرى : إنّ العربية مرتبطة بوجود القرآن في نشأتنا هذه وليست مرتبطة بأصل وجوده والذي عُبّر عنه في الآية الأُخرى : وَإنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 1 » . فوجوده الأوّل هو في أُمّ الكتاب وهو اللوح المحفوظ « 2 » ، ومن خُصوصيات وجوده الأوّل هو أنّه عليٌّ ، أي : هو عال عن ألفاظكم ومفاهيمكم واصطلاحاتكم ، ولذلك فإنّه لا يمكن إدراك حقائقه بواسطة العلم الحصولي وإنّما لابدّ من طريق آخر للوصول إلى مضامينه الحقّة وأسراره الدقيقة . فنحن وما نحمله من علوم حصولية بلغنا ما بلغنا من مراتب العلم لن نصل بعلومنا هذه من فهم القرآن الكريم أكثر ممّا هو عليه في هذه النشأة المادّية ، وأمّا نشآته الأُخرى ، المثالية والعقلية والإلهية ، فإنّه لم يُطرح ولم يُعرف بعد . وفي ذلك يقول السيد الطباطبائي : « وجعل رجاء تعقّله غاية للجعل المذكور يشهد بأنّ له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس . . . فمفاد الآية أنّ الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمر وراء الفكر أجنبيّ عن العقول البشرية ، وإنّما جعله الله قرآناً عربياً وألبسه هذا اللباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه - إلى أن يقول - : والمراد بكونه عليّاً على ما يعطيه مفاد الآية السابقة أنّه رفيع
--> ( 1 ) الزخرف : 4 . ( 2 ) قال تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ البروج : 21 - 22 .